جلال الدين السيوطي

90

معترك الاقران في اعجاز القرآن

والظاهر أنه مرة حكى لفظه فيها على وجهين . قوله تعالى « 1 » : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ » ؛ فجعل الذي مكان قوله فيما بعد « 2 » : « ما » ، وزاد « من » لأن العلم في الآية الأولى علم بالكمال الذي ليس وراءه علم ؛ لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم باللّه وصفاته ، فكان لفظ الذي أليق به من لفظ « ما » ، لأنه في التعريف أبلغ وفي الوصف أقعد ؛ لأن « الذي » تعرّفه صلته ولا يتنكر قط ، ويتقدمه أسماء الإشارة ، نحو قوله « 3 » : « أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ » . « أَمَّنْ « 4 » هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ » ، فيكتنفه بيانان : الإشارة والصلة ويلزمه الألف واللام ، ويثنى ويجمع ، وليس ك « ما » شئ من ذلك ؛ لأنه يتنكر مرة ويتعرّف أخرى ، ولا يقع وصفا لأسماء الإشارة ، ولا يدخله الألف واللام ، ولا يثنّى ولا يجمع . وخص الثاني بما لأن المعنى من بعد ما جاءك من العلم بأن قبلة اللّه هي الكعبة ، وذلك قليل من كثير من العلم « 5 » . وزبد معه [ 17 ب ] « من » التي هي لابتداء الغاية ؛ لأن تقديره من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالكعبة ؛ لأن القبلة الأولى نسخت بهذه الآيات ، وليس الأول موقتا بوقت . وقال في سورة الرعد « 6 » : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ » . فعبّر بما ؛ ولم يزد من هنا لأن العلم هاهنا هو الحكم العرفي ؛ أي القرآن ، فكان بعضا من الأول ولم يزد من لأنه غير موقت . وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران « 7 » : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ » قوله تعالى « 8 » : « قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ » .

--> ( 1 ) البقرة : 120 ( 2 ) في البقرة أيضا 145 ، والرعد 37 ( 3 ) الملك : 20 ( 4 ) الملك : 21 ( 5 ) في ب : من يعلم . ( 6 ) الرعد : 37 ( 7 ) آل عمران : 61 ( 8 ) البقرة : 136